روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

194

عرائس البيان في حقائق القرآن

اللّه سبحانه عبده سليمان في مقام المعرفة والمحبة ، هو بجلاله وعزته ذوّقه طعم عشقه ومحبته ، ثم عرض نفسه بنعت ظهور حسن جمال تجليه ؛ ليزيد عليه شوق جماله ، فرأى ذلك الحسن والجمال قد ظهر من الصافنات الجياد ، فشغلته تلك الرؤية عن حقائق الفردانية وتجرد الوحدانية من الوسائط ، وغاب عنه شمس جمال القدم صرفا ، فأدرك نفسه خاليا عن شهود عين العين ؛ فغار على أحواله فقال : « ردوها عليّ » ، فلما قدس طرق الوحدانية بمكنسة الغيرة رجعت إليه أنوار الألوهية والفردانية بنعت الكشف وذهاب الحجاب ، فلما مسح الصوافنّ شكرا لإنعامه وغيرة على سلطانه سخّر اللّه له الريح التي جناحاها بالمشرق والمغرب . قال أبو سعيد القرشي : من غار للّه وتحرك له فإن اللّه يشكر له ذلك ، ألا ترى سليمان لما شغله الأفراس عن الصلاة حتى توارت الشمس بالحجاب قال : « ردوها عليّ » ، فطفق مسحا بالسوق والأعناق ، قيل : إنه كان عشرون ألف فرس منقش ذوات أجنحة أخرجته الشياطين من البحر فشكر اللّه له صنيعه ، فسخرنا له الريح ، وأبدله مركبا أهنأ منها وأنعم . وقال ابن عطاء : شكر اللّه صنيعه وأبدله فرسا لا يحتاج إلى رائض ولا إلى علف ولا يبول ولا يروث . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 34 إلى 35 ] وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ ( 34 ) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 ) قوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ ( 34 ) : هذه الفتنة أيضا فتنة العشق ، التي ظهرت له من محبته بنت الملك ، وهكذا كل فتنة لو تراها بالحقيقة ما ولدت إلا من العشق ، شغف في محبتها بحسنها وجمالها ، فغار عليه الحق ، وأسقطه من منازل الملك حتى غرّبه في القفار والبوادي ، وأنساه ذكرها غيرة عليه حتى لا يبقى في قلبه غيره ، وأجلس مكانه في الملك صخرا حتى أفسد في الأرض ، فتلطف عليه الحق ، وأرجعه إلى مكانه ومكانته ، فسأل الحق تمكينه في الملك والمملكة ، قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً ، سأل المغفرة فيما قصّر في واجب المعرفة وحقيقتها التي يوجب انفراد القلب عن غير جمال الحق من العرش إلى الثرى ، ثم سأل ملك تمكينه في ذلك المقام ، وسأل ألا يحتجب بالملك عن المالك ، ولا يجري عليه بعد ذلك الامتحان ، ولا يسلط عليه جنود المكر والقهر ؛ حتى لا يحتجب بنفسه عن نفسه ، وقوله : لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ليس هذا من البخل هذا شفقة على المقصرين لو كانوا مبتلين بذلك الملك ؛ ليكونوا محتجبين به عنه ، وأيضا يبلغ السالك في المعرفة والمحبة إلى ألا يطيق أن يرى غير نفسه مقام المشاهدة . قال ابن عطاء : مكني من مخالفة نفسي حتى لا أوافقها بحال .